في إيران اليوم، لم تعد العديد من الأشياء في مكانها الطبيعي؛ لا الأشخاص، ولا العلاقات الرسمية، ولا الهياكل السياسية والاقتصادية، ولا حتى العلاقات الاجتماعية والأسرية. الفوضى انتشرت لدرجة أننا لا نواجه مجتمعًا كان لديه نظام ثم انهار، بل نواجه أنقاضًا ينهار جزء منها كل يوم.
في بلد حيث الحدود بين «اليمين» و«اليسار» غير واضحة، أصبحت الأحزاب أكثر من كونها مؤسسات سياسية ذات برامج ومسؤوليات، إلى عناوين عائمة، وأصبح الفارق بين رائد الأعمال والمستفيد من الامتيازات والفساد الاقتصادي والوسيط في السلطة يتضاءل كل يوم، وأصبح التمييز بين الطريق الصحيح والخاطئ أكثر صعوبة.

لكن في قلب هذه الفوضى، هناك مجموعة تعرف قواعد اللعبة جيدًا: الانتهازيون وأولئك الذين يستفيدون من عدم الاستقرار وضعف الهياكل. يعرفون كيف يصطادون الأسماك الثمينة من المياه العكرة للاقتصاد والسياسة في إيران؛ وكيف يستفيدون من الموارد العامة، الامتيازات، العلاقات السياسية والثغرات القانونية لبناء ثروات هائلة، بينما يواجه جزء كبير من المجتمع صعوبة في تلبية احتياجاته الأساسية.
الحلقات المافياوية في هيكل الاقتصاد الوطني
في وقت مضى، رغم كل الفوضى، كان بالإمكان رسم حدود بين شخصيات مثل بابك زنجاني والعديد من الفاعلين الاقتصاديين الحقيقيين والمستقلين. كان بالإمكان التمييز بين أولئك الذين يتغذون من شبكات السلطة والامتيازات والمقاولين الذين يعملون برأس المال، التخصص والمسؤولية المهنية. لكن اليوم، هذه الحدود أصبحت إلى حد كبير مشوشة؛ ليس لأن الجميع أصبح فاسدًا، بل لأن مساحة النشاط للأشخاص النزيهين والمستقلين أصبحت محدودة كل يوم.
اليوم في كل زاوية من البلاد، تُرى آثار مجموعات لديها وصول إلى الموارد العامة وتأخذ نصيبها من هذه المائدة الواسعة. في الجانب الآخر، يوجد الناس العاديون؛ المواطنون الذين لا يتصلون بشبكات السلطة ولا يحصلون على نصيب من الامتيازات.
ربما في إيران اليوم، "كونك شخصًا عاديًا" هو أحد أصعب المواقف. المواطن العادي يواجه البطالة، التضخم، انخفاض القوة الشرائية، القيود الاجتماعية والضغوط السياسية. في العديد من الحالات، حتى حقه في المطالبة لا يُعترف به. إذا تجاوز الحدود المرسومة له، إذا طالب بحقوقه الاقتصادية، الاجتماعية أو السياسية، فقد يواجه الضغط، التهديد، الإقصاء أو القيود.

فقدان بديهيات الحياة
بالطبع، المشكلة ليست الفقر والقيود فقط. حتى إمكانية حياة هادئة وقابلة للتنبؤ أصبحت في إيران سلعة نادرة. في كل مكان يجد جزء من حياة الناس بعض الاستقرار، يمكن للسياسة أن تتدخل مرة أخرى. القرارات التي تُبرر بعناوين مثل "المقاومة"، "مواجهة الاستكبار" أو "الصمود"، في النهاية لها تكاليف غالبًا ما يتحملها المواطنون العاديون وليس أصحاب السلطة.
بالطبع، من الواضح أن الحكم في ظل أزمة دائمة وتهديد، يمثل ميزة مهمة لهيكل السلطة: مجتمع دائم القلق بشأن المستقبل، المعيشة، الأمن والبقاء، لديه فرصة وقدرة أقل للمطالبة بالمساءلة.
النتيجة، مجتمع تُهمش فيه الثقافة، الفن، المواطنة وحتى الكرامة الإنسانية بالتدريج. الناس في إيران اليوم أكثر من أي وقت مضى في خطر التحول إلى "تكلفة جانبية"؛ تكلفة جانبية للسياسات الأيديولوجية، الإدارة الفاشلة، الفساد الهيكلي وصراعات السلطة.
يدفعون تكلفة التدين لرجال دين لا يتحملون مسؤولية أفعالهم؛ تكلفة السياسة لمسؤولين تؤثر قراراتهم مباشرة على حياة الملايين؛ وحتى أحيانًا تكلفة أفعال من يعدون في الظاهر ببناء مستقبل مختلف.
المشكلة الرئيسية في إيران اليوم ليست فقط الأزمة الاقتصادية أو السياسية. المشكلة هي أنه وسط كل هذه الأزمات، الإنسان الإيراني نفسه، حياته اليومية، الأمن، الكرامة وحقه في حياة طبيعية، أصبحت أكثر من أي شيء آخر على الهامش.
