لا يمكن اعتبار الهجوم الأخير للولايات المتحدة على جزيرة لارك كعملية محدودة ضد منصتين صاروخيتين فقط. الموقع الاستراتيجي لهذه الجزيرة في مدخل مضيق هرمز وقربها من مسار مرور السفن التجارية، إلى جانب تاريخ وجود المعدات العسكرية الإيرانية، يجعل لارك واحدة من النقاط الرئيسية في النزاع حول السيطرة على الممر المائي لهرمز.
تكرار الهجوم بعد أكثر من شهر من التوقف وتزامنه مع زيادة الضغوط الاقتصادية والتهديد الجديد من دونالد ترامب ضد جزيرة خارك، يعزز الفرضية بأن واشنطن قد تكون بدأت مرحلة جديدة من الهجمات المستهدفة على الجزر الاستراتيجية الإيرانية. وفقًا للتقارير، استهدفت القوات الأمريكية مساء الأحد الثامن من شهر شهريور منصتين في جزيرة لارك. زعم مسؤول أمريكي أن قوات الحرس الثوري كانت تعد هذه المعدات لإطلاق صواريخ حاملة للألغام البحرية إلى مضيق هرمز.

أكد الحرس الثوري الإيراني الهجوم وأعلن عن مقتل وإصابة عدد من العسكريين والمدنيين. أشارت التقارير الأولية الداخلية إلى مقتل شخصين على الأقل وإصابة اثنين آخرين، رغم أن الإحصائيات النهائية المستقلة لم تُنشر بعد. ردًا على ذلك، أعلنت إيران عن هجوم صاروخي وطائرات مسيرة على القواعد التي تتمركز فيها القوات الأمريكية في الأردن.
الأهمية الاستراتيجية للارك
لارك بمساحة تقارب ٤٩ كيلومترًا مربعًا، تقع بين جزيرة قشم والمياه المدخلة لمضيق هرمز. أهميتها لا تنبع من عدد السكان أو القدرة الاقتصادية، بل من موقعها الجغرافي. يمكن أن يوفر وجود معدات المراقبة البحرية والصاروخية والسفن في هذه المنطقة إمكانية مراقبة مسار الشحن والتدخل في حركة السفن. لارك هي أيضًا جزء من مجموعة الدفاع الإيرانية إلى جانب قشم وهرمز وأبو موسى وطنب، التي تشكل العمق الدفاعي للسواحل الجنوبية للبلاد.
من وجهة نظر الولايات المتحدة، يمكن للمعدات الموجودة في لارك دعم عمليات زرع الألغام، والهجمات الصاروخية قصيرة المدى، وخلق اضطرابات في الشحن. من وجهة نظر إيران، فإن السيطرة على هذه الجزيرة ضرورية للحفاظ على قوة الردع في مضيق هرمز. قبل بدء الحرب، كان حوالي خمس النفط المستهلك عالميًا يمر عبر هذا المضيق، وأي مواجهة عسكرية في لارك يمكن أن تؤثر مباشرة على أسعار الطاقة وقرارات شركات الشحن. بعد الهجوم الأخير، ارتفع نفط برنت بأكثر من ثلاثة بالمائة ليصل إلى أكثر من ٩٠ دولارًا.
ضعف السيطرة العسكرية الإيرانية على مضيق هرمز، والذي يبدو أنه يتراجع، يصل إلى نقطة تجعل من المضيق أساسًا خارج النفوذ السياسي للجمهورية الإسلامية، ويكمل فرصة السيطرة الكاملة للولايات المتحدة على ممر الطاقة العالمي.
تكرار الهجمات ونتائجها
الهجوم الليلة الماضية لم يكن أول استهداف للارك في الحرب الأخيرة. في ٣١ تير ١٤٠٥، أفادت مصادر إيرانية عن هجوم صاروخي أمريكي وسماع انفجار شديد في الجزيرة. في ذلك الوقت، لم تُنشر تفاصيل رسمية حول الأهداف والخسائر، لكن التقارير التحليلية العسكرية أكدت أن لارك استهدفت ضمن سلسلة الهجمات الأمريكية على البنية التحتية البحرية والعسكرية جنوب إيران.
تكرار الهجوم في فترة قصيرة يشير إلى أن الولايات المتحدة تعتبر لارك جزءًا من الشبكة العملياتية الإيرانية للسيطرة على المضيق، وليس هدفًا عرضيًا. في الوقت نفسه، قد يكون تحديد الأهداف المعلنة محاولة للحفاظ على الصراع تحت عتبة عملية واسعة النطاق. ومع ذلك، فإن عودة الهجمات بعد توقف لمدة شهر يزيد من خطر تحول العمليات المحدودة إلى سلسلة من الهجمات ضد الجزر والمنشآت الساحلية الإيرانية.
حشمتالله فلاحتپیشه، رئيس لجنة الأمن القومي السابق في البرلمان، ربط الهجوم على لارك بسياسة الحكومة الأمريكية الاقتصادية وقال إن واشنطن تسعى لجعل مضيق هرمز القضية الرئيسية في اجتماع القوى الاقتصادية لمجموعة العشرين. هذا التفسير تزامن مع إعلان سكوت بسنت، وزير الخزانة الأمريكي، عن فرض عقوبات ثانوية أسبوعية وقطع العلاقات بين البنوك والشركاء التجاريين لإيران مع النظام المالي بالدولار.

ازدادت المخاوف عندما نشر ترامب بعد الهجوم على لارك مقطع فيديو تم إنتاجه بالذكاء الاصطناعي يظهر تدمير جزيرة خارك وادعى أن الجزيرة في حالة "تدمير". لم يكن هناك دليل موثوق على هجوم جديد على خارك ولم تؤكد السلطات العسكرية الأمريكية ذلك. استمرت الأنشطة النفطية في خارك. ومع ذلك، كانت أهمية هذا المنشور في رسالته السياسية: الرئيس الأمريكي وضع مرة أخرى المحطة الرئيسية لتصدير النفط الإيراني في مركز التهديد. سبق أن طرح ترامب حتى احتمال "السيطرة" على خارك.
قد يعني الجمع بين الحصار البحري والعقوبات المصرفية وتقليل الصادرات والهجمات المحدودة محاولة واشنطن لإضعاف القدرة الاقتصادية والردع البحري لإيران في نفس الوقت. في مثل هذه الظروف، تصبح الجزر أكثر عرضة للهجمات من الناحية العسكرية وتزيد تكلفة حمايتها وتوفيرها وإعادة بنائها.
ومع ذلك، لا تزال هناك علامات موثوقة على قرار الولايات المتحدة باحتلال الأراضي الإيرانية في الجزر، و"فقدان الجزر" بالمعنى القانوني والإقليمي لا يزال سيناريو غير مثبت. الخطر الأكثر إلحاحًا هو فقدان الوظائف العسكرية والاقتصادية تدريجيًا، وتدمير البنية التحتية، وتقييد السيطرة العملياتية لإيران على المياه المحيطة. إذا كان الهجوم على لارك مقدمة لهجمات جديدة على خارك أو قشم أو هرمز أو نقاط ساحلية أخرى، فإن الجمهورية الإسلامية ستواجه أصعب اختبار لها للحفاظ على الأمن والسيادة الفعالة على الجزر الجنوبية.