تداعيات الهجمات الجوية على المراكز الصناعية في إيران لم تقتصر على تدمير المباني والمعدات. تظهر التقييمات الرسمية والتحليلات الاقتصادية أن آثار هذه الهجمات شملت جزءًا كبيرًا من سلسلة الإنتاج في البلاد، وتأثرت بها صناعات الطاقة والصلب وصولاً إلى البتروكيماويات، الصناعات الصغيرة وشبكة تأمين المواد الأولية. من وجهة نظر العديد من الخبراء، فإن الجزء الأكبر من تكاليف الحرب سيظهر في السنوات المقبلة في شكل انخفاض الإنتاج، تراجع الصادرات، فقدان الأسواق الخارجية وزيادة تكاليف الاستثمار.
تقديرات مختلفة للخسائر الاقتصادية
التقييمات المنشورة حول
مقدار الخسائر، بسبب الاختلاف في طرق الحساب، تظهر أرقامًا مختلفة. بعض
التقارير اعتمدت فقط على قيمة إعادة بناء المنشآت المتضررة، بينما
أخذت أخرى في الحسبان الخسائر الناتجة عن توقف الإنتاج، تراجع الإيرادات التصديرية، اضطراب سلسلة
التأمين، البطالة وتأخر المشاريع التنموية في حساباتها.
وفقًا لأحد التقديرات الفنية، فإن مجموع
الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بثلاثة قطاعات في بارس الجنوبي، صناعة البتروكيماويات والصلب
المباركة تتراوح بين ٩٠ إلى ١٠٥ مليار دولار. هذا الرقم
يخصص بشكل رئيسي للخسائر الناتجة عن انخفاض الإنتاج والإيرادات ولا يشمل تكاليف إعادة بناء المنشآت المادية بالكامل.

في هذا السياق، الحصة الأكبر تخص
بارس الجنوبي؛ حيث أن انخفاض إنتاج الغاز والمكثفات الغازية يمكن أن يؤدي خلال عدة سنوات إلى فقدان عشرات
المليارات من الدولارات من الإيرادات. بالإضافة إلى ذلك، فإن التكلفة الأولية
لإعادة بناء هذا المجمع تقدر أيضًا بمليارات الدولارات.
في صناعة الصلب أيضًا، الخسائر لا تقتصر على
تضرر المعدات. انخفاض القدرة الإنتاجية، اضطراب الصادرات، تضرر الصناعات
التابعة وتكاليف إعادة البناء، ترفع مجموع الخسائر في هذا القطاع إلى عدة عشرات من مليارات الدولارات.
كما أن صناعة البتروكيماويات، بسبب تضرر البنية التحتية للنقل، الخزانات، المنشآت الجانبية وانخفاض
الصادرات، تواجه خسائر فادحة وإعادة بنائها تتطلب استثمارات كبيرة
ملحوظة.
في المقابل، بعض المسؤولين الحكوميين قدموا تقديرًا يقارب ٢٧٠ مليار دولار من إجمالي التكلفة الاقتصادية للحرب؛ وهو رقم يشمل بالإضافة إلى الخسائر المادية، التداعيات الاقتصادية الواسعة. في الوقت نفسه، تقديرات أخرى تشير إلى حوالي ٩ مليارات دولار خسائر مباشرة للبنية التحتية المدنية. يؤكد الخبراء أن هذه الأرقام لا يمكن مقارنتها، لأنها تقيس جوانب مختلفة من تكاليف الحرب.
.
صناعة الصلب؛ ضربة لأحد أهم القطاعات
التصديرية
الصلب في السنوات الأخيرة كان أحد
أهم مصادر الإيرادات غير النفطية لإيران. مع إنتاج سنوي يزيد عن ٣٠
مليون طن من الصلب الخام، تحتل إيران مكانة بين أكبر المنتجين في العالم، ومجمعات مثل صلب مباركة أصفهان وصلب خوزستان لها حصة كبيرة في تأمين احتياجات الصناعات
المحلية والتصدير.
لهذا السبب، فإن الضرر الذي يلحق بهذه
الوحدات ليس مجرد مسألة صناعية، بل يؤثر على سوق البناء، صناعة السيارات، الأجهزة
المنزلية، التوظيف والإيرادات من العملة الأجنبية. التقارير تشير إلى أن هذين
المجمعين كانا من أهم أهداف الهجمات، وانخفاض قدرتهما يمكن أن يخلق تداعيات
واسعة على الاقتصاد الوطني.
يعتقد الخبراء أن التحدي الأكبر
لهذه الصناعة ليس بالضرورة تدمير خطوط الإنتاج، بل الضرر الذي يلحق بالبنية التحتية للكهرباء، الغاز
والأنظمة التحكمية. تعتمد مصانع الصلب بشكل كبير على تأمين الطاقة المستدامة
وتعطل محطة كهرباء أو منشآت جانبية يمكن أن يخرج المجموعة بأكملها عن دائرة الإنتاج لفترة طويلة حتى بدون تدمير الأفران.

على الرغم من أن بعض المسؤولين قدروا زمن إعادة بناء
الوحدات المتضررة بين ستة أشهر إلى سنة، إلا أن تحقيق هذا الهدف يعتمد على
الوصول السهل إلى المعدات، الموارد المالية والقطع التخصصية؛ وهو موضوع يمكن أن يطيل عملية إعادة البناء في ظل
الظروف العقوبات.
يعتقد المحللون أن الخطر الأكبر الذي يواجه صناعة الصلب هو فقدان الأسواق التصديرية. إذا طال أمد عملية إعادة البناء، يمكن للمنافسين مثل تركيا، روسيا والصين أن يستحوذوا على مكانة إيران في الأسواق الإقليمية؛ وهي سوق قد يكون من الصعب العودة إليها حتى بعد استعادة القدرة الإنتاجية.
البتروكيماويات؛ اضطراب في شبكة تعتمد عليها عشرات الصناعات
صناعة البتروكيماويات من أهم مصادر
الإيرادات غير النفطية لإيران ومزود المواد الأولية للعديد من الصناعات في البلاد. لهذا السبب، فإن الهجمات على مجمعات البتروكيماويات لم تكن مجرد خسائر لعدة وحدات إنتاجية، بل تسببت في اضطراب البنية التحتية المشتركة مثل منشآت الكهرباء، إنتاج البخار، خطوط نقل المواد الخام، الخزانات التخزينية والشبكات الخدمية؛ وهي بنية تحتية تربط بين العديد من المجمعات.
وفقًا للتقارير المنشورة، كانت منشآت البتروكيماويات في ماهشهر، بندر إمام وعسلويه من بين المناطق المتضررة، وتعرضت بعض المجمعات مثل كارون وأميركبير لأضرار. في العديد من الحالات، حتى الوحدات التي لم تكن هدفًا مباشرًا للهجوم اضطرت إلى وقف الإنتاج بسبب انقطاع الخدمات الجانبية أو المتطلبات الأمنية.
تقديرات قدمها مدراء الصناعة تشير إلى أن إعادة بناء وتجديد هذه المجمعات تتطلب استثمارات تتراوح بين ٥ إلى ٧ مليارات دولار. هذا الرقم لا يقتصر فقط على تعويض الخسائر الظاهرية، بل يشمل أيضًا استبدال المعدات، تجديد البنية التحتية وترقية التكنولوجيا.
تم متابعة إحياء صناعة البتروكيماويات على مرحلتين؛ الأولى، إعادة تشغيل الوحدات التي توقفت فقط بسبب اضطراب الخدمات، والثانية، بدء عمليات إعادة بناء المجمعات التي تعرضت لأضرار مباشرة. في هذا السياق، تم تحديد أولوية المسؤولين في تأمين احتياجات الصناعات المحلية ومنع نقص المواد الأولية للوحدات التابعة.
تكتسب هذه الصناعة أهميتها من كون منتجات البتروكيماويات تشكل المواد الخام الأساسية لصناعات مثل البلاستيك، التغليف، صناعة السيارات، الأجهزة المنزلية، النسيج، إنتاج الأسمدة الكيميائية، المعدات الطبية والصيدلانية. لذلك، أي انخفاض في الإنتاج في هذه الصناعة يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، ارتفاع أسعار المنتجات واضطراب في نشاط مئات الوحدات الصناعية.
إعادة البناء؛ تتجاوز إصلاح المصانع
تلخيص التقارير الرسمية والتحليلات
الاقتصادية يظهر أن التكلفة الحقيقية للحرب لا يمكن قياسها فقط بقيمة المباني
والمعدات المدمرة. جزء مهم من هذه التكلفة يظهر في شكل انخفاض الإنتاج، تراجع الصادرات، فقدان الأسواق الخارجية، زيادة تكاليف الاستثمار واضطراب في سلسلة التأمين.
في مثل هذه الظروف، لا تعني إعادة البناء فقط إصلاح المصانع، بل تتطلب إحياء البنية التحتية للطاقة، استعادة القدرة الإنتاجية، دعم مالي للمؤسسات الصغيرة والحفاظ على الأسواق التصديرية. وإلا، حتى بعد انتهاء العمليات العمرانية، قد تبقى جزء من القدرة الصناعية للبلاد خارج النطاق لفترة طويلة.
لهذا السبب، يعتقد العديد من الخبراء أن نجاح برنامج إعادة البناء لا يقاس فقط بإعادة تشغيل الوحدات المتضررة، بل المعيار الرئيسي هو إحياء سلاسل الإنتاج، منع خروج المؤسسات من السوق والحفاظ على القدرة التنافسية للصناعات الإيرانية في الأسواق الداخلية والخارجية.