لأكثر من عقدين، أصبحت الأراضي الواقعة بين أفغانستان والعراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين واليمن وإيران، ساحة لتلاقي مصالح القوى العالمية والإقليمية. تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على الهيكل الأمني بقيادتها، وضمان أمن إسرائيل والسيطرة على الممرات الاستراتيجية للطاقة. تحاول روسيا الحفاظ على حلفائها المحدودين، تحدي النفوذ الغربي واستخدام الأزمات الإقليمية كرافعة للمساومة. أما الصين، فهي تهتم بشكل خاص بأمن الطاقة، التجارة البحرية واستقرار طرق نقل البضائع؛ لذلك تسعى لتوسيع نفوذها الاقتصادي، لكنها عادة ما تتجنب الدخول المباشر والمكلف في الحروب.

الحرب في أوكرانيا هي أيضًا جزء من هذا الترتيب العالمي الجديد. لا يمكن اعتبار هذه الحرب مجرد محاولة من بوتين لإحياء الاتحاد السوفيتي؛ القضية الرئيسية هي المنافسة على مجال النفوذ الروسي، أمن أوروبا، توسع الناتو ومستقبل النظام الدولي. في الوقت نفسه، تتيح أزمة الشرق الأوسط للقوى الكبرى اختبار القدرات العسكرية، التحالفات السياسية والقدرات الاقتصادية لبعضها البعض. كما تظهر التحليلات المنشورة في وسائل الإعلام الغربية أن الصراع مع إيران ليس مجرد رسالة إلى طهران، بل يُعتبر تحذيرًا استراتيجيًا لموسكو وبكين أيضًا.
إسرائيل أيضًا في هذه المعادلة ليست مجرد منفذ لسياسة الولايات المتحدة؛ بل هي لاعب مستقل بأهدافها الأمنية والسياسية والأيديولوجية الخاصة. تسعى الحكومات الإسرائيلية إلى القضاء على التهديدات المحيطة، إضعاف القوى المتحالفة مع إيران وتوسيع العلاقات مع الدول العربية من خلال اتفاقيات إبراهيم. الهدف الأكثر وضوحًا لإسرائيل هو توسيع التفوق الأمني والنفوذ الإقليمي؛ وهي عملية أدت أحيانًا خلال الحروب الأخيرة إلى تعطيل تطبيع العلاقات مع الدول العربية، خاصة فيما يتعلق بمسألة لبنان وسوريا وفلسطين.
الجمهورية الإسلامية من جهة شريك استراتيجي لروسيا ومورد مهم للطاقة للصين، لكن من جهة أخرى، سياساتها الإقليمية ومواجهتها المستمرة مع الغرب توفر ذريعة لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي، زيادة مبيعات الأسلحة وتقارب أمني بين الدول العربية وإسرائيل. على الرغم من أن الظروف الحالية تظهر أن سياسات اللاعبين المتخاصمين تؤدي أحيانًا، على عكس ادعاءاتهم الرسمية، إلى تعزيز مواقف بعضهم البعض.
في النهاية، الفائزون في هذه المنافسة عادة ما يكونون القوى التي توسع نفوذها وأسواقها وأمنها؛ لكن التكلفة الرئيسية يدفعها الناس الذين في سوريا والعراق وأفغانستان واليمن ولبنان والآن إيران، يواجهون الحرب والهجرة والفقر والعقوبات وتدمير فرص التنمية. مأساة الشرق الأوسط ليست فقط حرب القوى؛ بل حرمان الأجيال المتعاقبة من مستقبل تبنيه العديد من دول آسيا.