في الأيام الأخيرة، تشير الشائعات المتعلقة بتعيين أمين جديد للمجلس الأعلى للمناطق الحرة، الذي سيكون فعلياً قائد توجيه هذه المناطق، إلى أن الفوضى الإدارية في هذه المناطق لا تزال تمنع عودة الهدوء إلى إدارتها.
المناطق الحرة؛ من محرك التنمية إلى طريق مسدود للاستثمار
كان من المفترض أن تتحول المناطق الحرة التجارية والصناعية إلى واجهة الاقتصاد التنافسي لإيران؛ مناطق تستفيد من الإعفاءات الضريبية، القوانين الميسرة وجذب الاستثمار الأجنبي، لتعرض نموذجاً مختلفاً للإدارة الاقتصادية. ولكن بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على بدء هذه التجربة، يعتقد العديد من الخبراء والفاعلين الاقتصاديين أن الفجوة بين الأهداف الأولية والواقع الحالي لهذه المناطق أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
في حين أن عدد المناطق الحرة قد زاد من سبع مناطق أولية تشمل كيش، قشم، تشابهار، أنزلي، أرس، أروند وماكو إلى مناطق جديدة مثل بانه، مريوان، قصر شيرين ومازندران، لا يزال السؤال مطروحاً حول ما إذا كان التوسع الكمي، دون حل المشاكل الهيكلية، قد تمكن من تحقيق الأهداف الأولية لإنشاء هذه المناطق أم أنه فقط وسع نطاق التحديات.

وعود بقيت على الورق
يعتقد الفاعلون الاقتصاديون أن المناطق الحرة في إيران فقدت جزءاً كبيراً من مزاياها القانونية. رحمان سادات نجفي، الرئيس السابق لمجلس التنسيق والتعاون للفاعلين الاقتصاديين في المناطق الحرة، أعلن سابقاً أن حوالي ٧٠% من القوانين المتوقعة لإدارة هذه المناطق لم تُنفذ بالكامل أبداً. وبحسب قوله، فإن أداء الأجهزة التنفيذية خلال السنوات الماضية لم يكن لتعزيز مكانة المناطق الحرة، بل إن العديد من القوانين الداعمة أصبحت عملياً بلا تأثير.
نتيجة لهذا الوضع، انخفضت ثقة المستثمرين المحليين والأجانب. يواجه المستثمرون الإيرانيون غموضاً قانونياً وتغييرات مستمرة في اللوائح، بينما يعتبر المستثمرون الأجانب، بالإضافة إلى هذه المشاكل، أن المخاطر الناجمة عن العقوبات والبيئة السياسية تشكل عقبة جدية أمام دخول رأس المال.
هروب رأس المال؛ ناقوس خطر لاقتصاد المناطق الحرة
أحد أهم المخاوف المطروحة بشأن مستقبل المناطق الحرة هو اتجاه خروج رأس المال. يقول الفاعلون الاقتصاديون إنه خلال السنوات الأخيرة، أوقف بعض المستثمرين مشاريعهم التنموية أو نقلوا رؤوس أموالهم إلى الدول المجاورة؛ وهو اتجاه تفاقم مع زيادة التوترات الدولية وعدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد الإيراني.
في ظل هذه الظروف، أصبحت أهم ميزة تنافسية للمناطق الحرة، وهي الإعفاءات الضريبية، تواجه تحديات. يعتقد الخبراء أنه على عكس فلسفة إنشاء هذه المناطق وأحكام القانون، يتم في العديد من الحالات تطبيق القوانين الضريبية المشابهة للأراضي الرئيسية. برأيهم، هذا النهج لا يتماشى مع المادة ١٣ من قانون كيفية إدارة المناطق الحرة واللوائح المتعلقة بالإعفاءات الضريبية، مما أزال أحد أهم دوافع الاستثمار.
عدم الاستقرار الإداري؛ عقبة كبيرة أمام الاستثمار
إلى جانب الغموض القانوني، أصبحت التغييرات الإدارية المتكررة واحدة من المشاكل المزمنة للمناطق الحرة. خلال السنوات الأخيرة، تعرضت أمانة المجلس الأعلى للمناطق الحرة وإدارة العديد من هذه المناطق لتغييرات متكررة، مما قلل من إمكانية تنفيذ الخطط طويلة الأجل.
يعتقد الخبراء أن اعتماد تعيين المديرين على التحولات السياسية جعل كل تغيير على مستوى الحكومة يغير مسار السياسة في المناطق الحرة. ونتيجة لذلك، يجد المستثمرون الذين يبحثون عن الاستقرار وقابلية التنبؤ حافزاً أقل للدخول إلى هذه المناطق.
أحسان أركاني، عضو سابق في لجنة البرنامج والميزانية في البرلمان، أشار سابقاً إلى تقليص صلاحيات مديري المناطق الحرة قائلاً إن هدف بعض الخطط الرقابية كان زيادة الشفافية، ولكن في الواقع قللت من استقلالية إدارة هذه المناطق وقيّدت الصلاحيات القانونية للمديرين؛ وهو ما أدى، بحسب الفاعلين الاقتصاديين، إلى إلغاء تدريجي للحوافز الاستثمارية.
أسواق فقدت ازدهارها
لم يقتصر الركود الاقتصادي على مجال الاستثمار فحسب، بل أثر أيضاً على الأسواق وصناعة السياحة في المناطق الحرة. منذ جائحة كورونا، لم تتمكن العديد من هذه المناطق من العودة إلى مستوى النشاط الاقتصادي السابق، كما أن انخفاض القوة الشرائية للأسر قد زاد من هذا الاتجاه.
جزيرة كيش، التي كانت لسنوات واحدة من أهم الوجهات السياحية في إيران، تواجه الآن انخفاضاً كبيراً في عدد الزوار. يقول الفاعلون في مجال السياحة إن الطلب قد انخفض إلى حد أن الفنادق تضطر إلى التنافس بشدة على العدد القليل من السياح؛ وهي حالة لم تكن متوقعة لهذه الجزيرة قبل بضع سنوات.
قشم وتشابهار أيضاً تواجهان انخفاضاً في دخول السياح والمستثمرين. في تشابهار، تباطؤ استثمار الهند في تطوير الميناء قد أثر على أحد أهم المشاريع الاقتصادية في هذه المنطقة وأثار الشكوك حول بعض الآفاق المتوقعة لتطوير هذا الميناء.

في منطقة أروند الحرة، ترتبط المشاكل الاقتصادية بالتحديات الإدارية والعمرانية. يعتقد الفاعلون الاقتصاديون في هذه المنطقة أن التغييرات المتكررة في الإدارة، توقف المشاريع التنموية وظهور قضايا الفساد قد زادت من الفجوة بين الأهداف الأولية والوضع الحالي لهذه المنطقة.
بحسب بعض الخبراء، فإن عدم رضا بعض مواطني آبادان وخرمشهر عن أداء منطقة أروند الحرة قد وصل إلى حد أن البعض يطالب بإعادة النظر في الهيكل الحالي لهذه المنطقة.
في المناطق الشمالية من البلاد، بما في ذلك أرس، أنزلي وماكو، على الرغم من أن المديرين يتحدثون عن نمو الاستثمار، إلا أن المنتقدين يعتقدون أن المؤشرات الاقتصادية وحالة الإنتاج تقدم صورة مختلفة عن أداء هذه المناطق.
الفجوة مع الفلسفة الأساسية للمناطق الحرة
أحد أهم الانتقادات الموجهة إلى المناطق الحرة هو الابتعاد عن الأهداف الأولية لتشكيلها. كان من المفترض أن تتحول هذه المناطق إلى قاعدة لتطوير الصادرات غير النفطية، جذب التكنولوجيا، زيادة الإنتاج وخلق فرص العمل، لكن المنتقدين يقولون إن جزءاً كبيراً من نشاطها يقتصر على استيراد السلع والتجارة الاستهلاكية، بينما لا يزال نصيب الإنتاج والصادرات أقل من المتوقع.
يعتقد الخبراء أيضاً أن السياسات الاقتصادية والدولية للبلاد لا تتماشى مع متطلبات نجاح المناطق الحرة. في العديد من البلدان، تعمل هذه المناطق كحلقة وصل بين الاقتصاد الوطني والأسواق العالمية، لكن في إيران، القيود الناجمة عن العقوبات، عدم وجود ارتباط واسع مع النظام المالي الدولي والتغييرات المستمرة في اللوائح قد قللت من إمكانية أداء هذا الدور.
من ناحية أخرى، يرى بعض الخبراء أن جذور الفشل تكمن في كيفية اختيار مواقع إنشاء المناطق الحرة. يعتقدون أن بعض هذه المناطق كانت تفتقر منذ البداية إلى البنية التحتية اللازمة لتحقيق الأهداف المحددة، وفي بعض الحالات، بدلاً من أن تتحول إلى مركز للإنتاج والتصدير، وفرت أرضية لتشكيل الامتيازات، المضاربة على الأراضي والأنشطة غير المنتجة.
بشكل عام، تظهر تجربة أكثر من ثلاثة عقود من نشاط المناطق الحرة أن زيادة عدد هذه المناطق، دون إصلاح الهياكل الإدارية، تنفيذ كامل للقوانين الداعمة، توفير الاستقرار في السياسات وتهيئة بيئة للتفاعل مع الاقتصاد العالمي، لا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق الأهداف الأولية. لهذا السبب، يعتقد العديد من الخبراء أنه قبل التوسع الجغرافي للمناطق الحرة، فإن إعادة النظر في فلسفة إدارتها ووظيفتها ضرورة لا مفر منها.
